واما الركن الثاني الذي تكفل به سماحة الشيخ اليعقوبي فهو يتضمن الاجابة عن تساؤل آخر يتفرع من التساؤل الاول وهو:اذا كان للائمة دور مشترك فكيف استطاعوا القيام به برغم ما يحيط بهم من ظروف سياسية خانقة ، ثم ما هو هذا الدور بالضبط وبالمتابعة التاريخية المفصّلة ،وهل يستطيع المكلف اليوم القيام بنفس الدور في مواجهة التحديات الراهنة؟

 

وقد مرت فكرة الكتاب قبل ان تتبلور في صيغتها النهائية في ثلاث مراحل هي:

 

المرحلة الاولى: تمثل الفكرة الاساسية للكتاب والتي ابتكرها السيد الشهيد الصدر الاول (قد) والتي حاول فيها اكتشاف اتجاه جديد لدراسة تاريخ الائمة من خلال اثبات وجود الدور الكلي الذي ساروا فيه، اي اننا ننظر الى تاريخهم نظرة كلية نتجاوز فيها النظرة التجزيئية التي تدرس حياة كل امام بشكل منفصل كوحدة تاريخية لها كيانها المميز عن الائمة الآخرين.

 

حيث دافع الشهيد الصدر عن هذا الاتجاه الجديد بقوله: (وفي عقيدتي ان وجود دور مشترك مارسه الائمة (ع) ، ليس مجرد افتراض نبحث عن مبرراته التاريخية وانما هو مما تفرضه العقيدة نفسها وفكرة الامامة بالذات، وحذر من ان الدراسة التجزيئية تظهر تاريخ الائمة بشكل متناقض.

 

المرحلة الثانية: مرحلة التعليق على اصل البحث وقد تبناها الشهيد الصدر الثاني (قد) وتخريج الاحاديث والروايات وكانت مهمة الشيخ اليعقوبي في اول شبابه.

 

وفي هذه المرحلة تقدمت فكرة البحث خطوة الى الامام في محاولة للخروج من الاطار العام لبحث الشهيد الصدر الاول، حيث نرى بوضوح ان الشهيد الثاني لم يكتف بالتعليق على بعض الجزئيات والمفردات الفكرية بل حاول ان يمس الفكرة للبحث ويخضعها للتعديل حيث اكد باختصار ان ما يحذر منه الشهيد الاول من ان الدراسة التجزيئية للائمة (ع) تجعلنا نواجه تناقضا من الناحية الشكلية ان هذا في حقيقته ليس تناقضا بل اختلاف تقتضيه الظروف الموضوعية المحيطة بكل امام (كل ما في الامر ان مصاديق وتطبيقات هذه الطاعة وهذه المصلحة اختلفت الزمان وتقلبات الدهور).

 

ولكن يجب ان نفهم ان الشهيد الصدر الثاني لا يرفض الدراسة الكلية لتاريخ الائمة ولكنه يرفض انفصالها عن الدراسة التجزيئية والاكتفاء بالنظرة المجردة.

 

(واما في ظاهر العبارة من ان النظرة الكلية وحدها اضخم من مجموع نتائج التفاصيل فهذا لا ينبغي ان يكون مقصودا على اي حال).

 

المرحلة الثالثة: مرحلة التوسع الافقي للبحث الاصلي.

 

وهي تشمل الدراسة التفصيلية التي اجاب عنها سماحة الشيخ اليعقوبي (دام ظله) في محاضراته عن التساؤل : كيف استطاع الائمة (ع) القيام بدورهم المشترك ، هل يستطيع المكلف القيام بنفس الدور بسبب تشابه الادوار والظروف، وما هي الدروس المستفادة من مواقفهم وصراعهم في هذا المجال.

 

وقد اكتفى سماحته بالتوسع في جانب واحد من تاريخهم الواسع السعة والعمق وهو بحث علاقتهم بالحكام الظالمين المعاصرين لهم.

 

وهذه العلاقات الرئيسية تمثل روح البحث  الاجتماعي للمرحلة الثالثة للكتاب.

 

يذكر سماحته اثنا عشر نقطة هي خلاصة حركة الائمة (ع) في علاقتها بالامة الاسلامية ، ويمكن القول ان هذه النقاط تصب في اربعة اتجاهات:

 

الاتجاه الاول: نشاطهم العلمي والفكري.

 

ويتضمن تموين الامة بالعلم والعقيدة ومن الامثلة الواضحة على ذلك ما قام به امير المؤمنين(ع) اثناء فترة خلافته في خطب ومراسلات وكلمات نهج البلاغة ، وكذلك في حلقات الدرس التي كان يعقدها الامامان الحسن والحسين (ع) ، وهذا ما سار عليه سائر الائمة (ع) في مقاومتهم للتيارات الفكرية المضللة كتصديهم لمشكلة القول بالجبر والتي استغلها الحكام لمآربهم السياسية. وكذلك توفير بعض خريجي مدرستهم وخصهم بالعناية المكثفة امثال سعيد بن المسيب وزرارة بن اعين وغيرهم.

 

الاتجاه الثاني: المحافظة على كيان الائمة ووحدة المسلمين.

 

ويتضمن هذا الاتجاه مواجهة التحديات التي كادت ان تعصف بالكيان الاسلامي حيث انبرى كل امام للاسئلة والاستفسارات التي كان يثيرها علماء الاديان والمذاهب المختلفة.

 

وفي هذا الاتجاه حافظ الائمة (ع) على وحدة المسلمين من خلال الصبر على اعدائهم وحفظ روح الالفة والمودة حتى مع المخالفين لمذهبهم، بل الاكثر من ذلك كانوا يعيشون آلام الامة وآمالها.

 

ووقف الائمة (ع) في وجه الممارسات الخاطئة التي تسيء الى تطبيق روح الاسلام كالصوفية والتي حرص الاعداء على زرعها لكي يفتتوا كيان الامة الى كيانات صغيرة يسهل السيطرة عليها.

 

الاتجاه الثالث: الاصلاح الاخلاقي العام.

 

ويتضمن تربية الامة على اخلاق الاسلام كقولهم (ع) : (كونوا لنا دعاة صامتين وكانوا مصداقا مجسدا للخلق الرفيع في صبرهم وتسامحهم وكظمهم للغيظ .

 

الاتجاه الرابع: المطالبة المستمرة بحقهم.

 

وذلك من خلال القاء الخطب كما فعلت الزهراء (ع) في مسجد الرسول (ص) او من خلال الشعراء واقامة مآتم العزاء التي تذكر المظالم التي مرت عليهم، او من خلال دعم وقيادة الحركات الاصلاحية بشكل مباشر كما فعل الامام الحسين (ع) او بشكل غير مباشر كدعم الامام السجاد (ع) لحركة الشهيد زيد بن علي.

 

المحور الثاني: رعاية الشيعة خصوصاً.

 

حيث يذكر سماحته تسعة نقطة في هذا المحور يمكن حصرها في ثلاثة اتجاهات هي:

 

الاتجاه الاول: تطوير الشيعة علميا وفكريا.

 

ويشمل مقاومة التيارات الفكرية التي تنشأ ضمن اطار التشيع كالغلو ومذهب الواقفة وغيرها وكذلك توفير عدد من خريجي مدرستهم ممن بلغوا درجة كافية من العلم تؤهلهم للجلوس في المساجد والإفتاء وذلك لتعليم الناس وتزويدهم بعقيدتهم من منبعها الأصيل .

 

الاتجاه الثاني : تحصينهم من الناحية المالية .

 

وذلك بتوفير ما يشبه الصندوق المالي من قبل الإمام نفسه أو من الحقوق الشرعية التي تجبى اليه لتنظيم شؤون الشيعة .

 

الاتجاه الثالث : حماية الثلة المؤمنة من الشيعة .

 

من خلال تشريع مبدأ التقية والتأكيد عليه لصيانة نفوس الشيعة واموالهم من بطش الحكام الظالمين ، وكذلك المطالبة بحقوق الشيعة وارواحهم وممتلكاتهم .

 

المحور الثالث : علاقتهم مع الحكام .

 

ويتضمن وقوف الأئمة بوجه الحكام الظالمين بصلابة وحزم كما فعل أمير المؤمنين (عليه السلام) في رده المشهور على عمر بن الخطاب ، والتنديد بجرائم السلطات ، وتارة بالتعاون معهم في مجابهة المشاكل والتحديات كما حدث في عصر الإمام السجاد (عليه السلام) الذي رد على كتاب ملك الروم وما قام به الإمام الباقر (عليه السلام) به حيث خطط للإستقلال الاقتصادي .

 

المحور الرابع : هل كان الائمة يحاولون الاستيلاء على الحكم .

 

وفيه يبين سماحته قضية هامة وهو عدم امكانية الفصل بين الدور السياسي والدور الروحي للائمة (عليهم السلام) . ويؤكد سماحته ما قاله الشهيد الصدر الأول (قده) من إننا لا يمكن أن نتصور تنازل الائمة (عليهم السلام) عن الجانب السياسي الا اذا تنازلوا عن التشيع . ولكن الجانب السياسي احياناً في مجاله المسلح وكان لهذا التخلي مبرراته التاريخية لأنهم (عليهم السلام) يؤمنون بأن تسلم السلطة وحده لا يكفي مالم تكن هذه السلطة مدعمة بقواعد شعبية واعية .

 

والحمد لله رب العالمين .